الشيخ الطبرسي
27
تفسير مجمع البيان
ليست بدار تكليف ، وكل الناس ملجؤون فيها إلى ترك القبيح ، لمشاهدة الحقائق ، وزوال عوارض الشبه ، والشكوك ، ولمعرفتهم بالله سبحانه ضرورة ؟ والجواب : إن معناه ما كنا مشركين في الدنيا عند أنفسنا ، وفي اعتقادنا ، وتقديرنا ، وذلك أن المشركين في الدنيا يعتقدون كونهم مصيبين ، فيحلفون على هذا في الآخرة . فعلى هذا يكون قولهم وحلفهم يقعان على وجه الصدق . وقيل أيضا : إنهم إنما يحلفون على ذلك لزوال عقولهم بما يلحقهم من الدهشة من أهوال القيامة ، ثم ترجع عقولهم ، فيقرون ويعترفون ، ويجوز أن ينسوا إشراكهم في الدنيا بما يلحقهم من الدهشة عند مشاهدة تلك الأهوال . ( أنظر ) المعنى يقول الله تعالى عند حلف هؤلاء : أنظر يا محمد ( كيف كذبوا على أنفسهم ) وهذا وإن كان لفظه لفظ الاستفهام ، فالمراد به التنبيه على التعجيب منهم ، ومعناه أنظر إلى إخباري عن افترائهم ، كيف هو ، فإنه لا يمكن النظر إلى ما يوجد في الآخرة ، وإنما كذبهم الله سبحانه في قولهم ، وإن كانوا صادقين عند أنفسهم ، لأن الكذب هو الإخبار بالشئ ، لا على ما هو به علم المخبر بذلك ، أو لم يعلم ، فلما كان قولهم : ( ما كنا مشركين ) كذبا في الحقيقة ، جاز أن يقال كذبوا على أنفسهم . وقيل : معناه أنظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا ، لا إنهم كذبوا في الآخرة ، لأنهم كانوا مشركين على الحقيقة ، وإن اعتقدوا أنهم على الحق ، عن الجبائي ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) أي : ضلت عنهم أوثانهم التي كانوا يعبدونها ، ويفترون الكذب بقولهم : ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله غدا ) فذهبت عنهم في الآخرة ، فلم يجدوها ، ولم ينتفعوا بها عن الحسن . وقيل : إنه عام في كل ما يعبد من دون الله تعالى ، أنها تضل عن عابديها يوم القيامة ، ولا تغني عنهم شيئا ، واختلف أهل العدل في أن أهل الآخرة هل يجوز أن يقع منهم الكذب ؟ فالأصح أنه لا يجوز على ما قلناه ، وقال بعضهم : يجوز ذلك لما يلحقهم من الدهش والحيرة في القيامة ، فإذا استقر أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، فحينئذ لا يجوز أن يقع منهم القبيح والكذب ، ويكون جميعهم ملجئين إلى ترك القبيح ، وبه قال أبو بكر بن الأخشيد وأصحابه . وقال بعضهم : إنه يجوز وقوعه